الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

255

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فتأمل في المقام فإنه لا يخلو عن إبهام ويحتمل في المقام وجه رابع وهو التفصيل بين ما إذا نوى الامتثال بالأقل أو الأكثر فعلى الأول يسقط التكليف بأداء الأقل فلا وجه للإتيان بالزيادة بخلاف الثاني لتوقف الامتثال حينئذ على الإتيان بالزيادة وفيه أن قصد الامتثال هما لا يتوقف عليه أداء الواجب بل كون المأتي به من أفراد الواجب كاف في أدائه وتحققه في الخارج نعم لو كان المأمور به من العبادات تعين اعتبار القربة في النية فقد يتوهم حينئذ اعتبار قصد امتثال الأمر المفروض ليتحقق به الطاعة الملحوظة في العبادات ويدفعه أن الملحوظ في العبادة مطلق قصد الطاعة لا خصوص امتثال الأمر الخاص المتعلق به بحسب الواقع فلا يعتبر فيه ملاحظة كون المأتي به تمام المأمور به أو بعضه إذ لا دليل عليه أصلا حسبما مر القول فيه في محله فلا فرق حينئذ بين ما إذا نوى الامتثال بالأقل أو نواه بالأكثر فإنه إذا كان مجرد حصول الطبيعة المأمور بها كافيا في سقوط الواجب جرى ذلك في الصّورة الثانية وإن كان حصول الطبيعة المأمور بها بأداء الأقل مراعى بعدم التحاق الزائد جرى ذلك في الصّورة الأولى أيضا ومجرد قصده الامتثال بالأقل لا ينافيه سادسها أن التخيير بين الشيئين قد يكون على وجه الترتيب وقد يكون على وجه البدلية والإشكال المتقدم والأقوال المذكورة إنما هو في الصّورة الثانية وأما الأولى فلا مجال فيه للإشكال بل ليس ذلك من حقيقة التخيير في شيء وإن عد من التخيير وعلى كل حال فإما أن يمكن الجمع بينهما أو لا وعلى الأول فإما أن يحرم الجمع بينها أو يجوز مع إباحته أو استحبابه سابعها أنه هل يصح اتصاف أحد الواجبين المخيرين بالاستحباب بأن يكون واجبا تخييريّا مندوبا عينيّا أو لا قولان والمحكي عن جماعة القول بجواز الاجتماع والأظهر المنع لما تقرر من تضاد الأحكام واستحالة اجتماع المتضادين في محل واحد وعلى القول بجواز تعلق الأمر والنهي بشيء واحد من جهتين كما هو المختار عند جماعة من المتأخرين فلا ريب في الجواز في المقام نظرا إلى اختلاف الجهتين وهذا هو الوجه في اختيار بعض المتأخرين جواز اجتماع الأمرين وقد يتخيل جواز اجتماعهما في المقام بناء على المنع من اجتماع الأمر والنهي أيضا ولذا ذهب إليه بعض من لا يقول بجواز اجتماعهما نظرا إلى منع المضادة بين الاستحباب العيني والوجوب التخييري كما أنه لا مضادة بين الاستحباب النفسي والوجوب الغيري فوجوبه حينئذ لنفسه نظرا إلى حصول القدر المشترك به واستحبابه بملاحظة خصوصية إضافي بالنظر إلى غيره وأنت خبير بما فيه فإنه إن أريد بجواز الأمرين في المقام جواز الجمع بين الوجوب التخييري والندب المصطلح يعني ما يجوز تركه مطلقا فبين الفساد لوضوح أنه ليس مما يجوز تركه كذلك وإلا لم يتصف بالوجوب التخييري لما عرفت من حصول المنع من ترك كل من الواجبين المخيرين في الجملة فإن كلا منهما مطلوب للأمر على وجه المنع من تركه وترك ما يقوم مقامه وما أورد عليه من أن ما له بدل ليس بواجب في الحقيقة وما هو الواجب لا بدل له فإن الواجب بالحقيقة هو مفهوم أحدهما في المندوب هو خصوص واحد منهما فلاجتماع الوصفين غاية الأمر أن يكون المندوب مصداقا للواجب لاتحاده معه مدفوع بما عرفت من أن الواجب التخييري هو خصوص كل واحد من الأمرين لا مفهوم أحدهما وإنما هو أمر اعتباري انتزاعي بعد تعلق الوجوب بكل منهما على الوجه الذي قررناه حسبما مر تفصيل القول فيه ولو سلمنا تعلق الوجوب بمفهوم أحدهما فبعد اتحاده مع خصوص واحد منهما لا يصح اتصافه باستحبابه إلا على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي من جهتين وهو مع ضعفه كما سيجيء بيانه في محله إن شاء الله خلاف مبني الكلام إذ المفروض البناء على امتناعه وما يتراءى من جواز اجتماع الاستحباب النفسي والوجوب الغيري كما في الوضوء وغسل الجنابة ليس على ما ينبغي إذ ليس ذلك من اجتماع الوجوب والاستحباب في شيء إذ لا يتصف الوضوء أو الغسل في زمان واحد في الوصفين المذكورين إذ الحكم الثابت لكل منهما بعد وجوب المشروط به هو الوجوب دون الندب نعم يجتمع هناك جهتا الندب النفسي والوجوب الغيري ولا مانع منه كما أنه لا مانع من اجتماع جهتي الوجوب والندب الغيريين فمفاد استحبابه النفسي أنه مندوب في ملاحظة نفسه وإن كان واجبا مترقيّا رجحانه عن مقام الندب إلى الوجوب بملاحظة غيره وثبوت شيء لشيء في مرتبة أو نفيه عنه كذلك لا يستلزم ثبوته أو نفيه عنه بحسب الواقع ولذا تقرر عندهم جواز اجتماع النقيضين في المرتبة ومن ذلك يعلم جواز اجتماع جهتي الوجوب والندب النفسيين أيضا ألا ترى أنه لو نذر أداء نافلة كانت تلك النافلة مندوبة بملاحظة ذاتها فإنها لا يقتضي زيادة على ذلك واجبة من جهة تعلق النذر بها وهي حينئذ غير متصفة فعلا بالوصفين المذكورين بل الوصف لها هو الوجوب لا غير ولا يجري نحو ما ذكر في المقام حتى يقال هنا أيضا باجتماع الجهتين وإن كان الحكم تابعا لأقواهما ولو سلم جريانه في المقام فقد عرفت أنه ليس ذلك من اجتماع الحكمين أصلا والكلام هنا إنما هو في اجتماع الحكمين دون الجهتين إذ قد عرفت أنه لا مجال لتوهم الإشكال بالنسبة إليه وإن أريد بذلك جواز اجتماع الوجوب التخييري والندبي بغير معناه المصطلح أعني ما يكون فعله راجحا بالنسبة إلى فعل غيره رجحانا غير مانع عن النقيض نظير ما اعتبر في مكروه العبادة من مرجوحية فعلها بالنسبة إلى فعل غيرها كما قد يومي إليه قوله يكون استحبابه إضافيا بالنسبة إلى غيره فلا مجال لتخيل مانع منه في المقام ولا يعتبر شبهة فلا إشكال والظاهر أن أحدا لا يقول بامتناعه هذا وقد يوجه اجتماع الوجوب والندب في المقام بنحو آخر بأن يقال بأن هنا رجحانا مانعا من النقيض يقوم غيره مقامه ورجحانا غير مانع من النقيض لا بدل له يقوم مقامه فالأول هو الوجوب التخييري القائم بكل من الفعليين والثاني هو الاستحباب العيني القائم بالفرد الأكمل إذ لا بدل لكمال الفرد ولا يتعين على المكلف تحصيله وأنت خبير بوهن ذلك أيضا فإن ما ذكر إنما يفيد كون الجهة المفروضة غير ملزمة للفعل وأين ذلك من استحباب الفعل وجواز تركه بحسب الواقع كما هو المقصود إذ من البين أنه إذا حصل جهة الندب والوجوب في شيء كان الترجيح بجانب الوجوب لاضمحلال الجهة النادبة عند الجهة الموجبة ومع الغض من ذلك فالمصلحة القاضية بالأولوية في المقام إنما يفيد أولوية فعل أحدهما على فعل الآخر على وجه لا يمنع من النقيض لا أولوية فعل أحدهما على تركه مع عدم المنع منه مطلقا حتى يندرج في الندب المصطلح ومجرد عدم بدل للرجحان المفروض لا يقضي بكون الرجحان الحاصل ندبا مصطلحا كما لا يخفى نعم إن أريد بالندب غير معناه المعروف حسبما أشرنا إليه صح ما ذكر إلا أنك قد عرفت أنه غير قابل للنزاع